الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

154

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

نزلت مع تمام السورة فهي تمهيد لأمر المؤمنين بالقتال ليحقّقوا كفايتهم الرسول . [ 65 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 65 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 65 ) أعيد نداء النبي صلى اللّه عليه وسلم للتنويه بشأن الكلام الوارد بعد النداء وهذا الكلام في معنى المقصد بالنسبة للجملة التي قبله ، لأنّه لما تكفّل اللّه له الكفاية ، وعطف المؤمنين في إسناد الكفاية إليهم ، احتيج إلى بيان كيفية كفايتهم ، وتلك هي الكفاية بالذبّ عن الحوزة وقتال أعداء اللّه ، فالتعريف في الْقِتالِ للعهد ، وهو القتال الذي يعرفونه ، أعني : قتال أعداء الدين . والتحريض : المبالغة في الطلب . ولمّا كان عموم الجنس الذي دل عليه تعريف القتال يقتضي عموم الأحوال باعتبار المقاتلين - بفتح التاء - وكان في ذلك إجمال من الأحوال ، وقد يكون العدو كثيرين ويكون المؤمنون أقلّ منهم ، بيّن هذا الإجمال بقوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ الآية . وضمير مِنْكُمْ خطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم وللمؤمنين . وفصلت جملة إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ لأنها لمّا جعلت بيانا لإجمال كانت مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأن الإجمال من شأنه أن يثير سؤال سائل عمّا يعمل إذا كان عدد العدوّ كثيرا ، فقد صار المعنى : حرض المؤمنين على القتال بهذه الكيفية . و صابِرُونَ ثابتون في القتال ، لأنّ الثبات على الآلام صبر ، لأنّ أصل الصبر تحمّل المشاقّ ، والثبات منه ، قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وفي الحديث : « لا تتمنّوا لقاء العدوّ واسألوا اللّه العافية فإذا لاقيتم فاصبروا » . وقال النابغة : تجنب بني حن فإنّ لقاءهم * كريه وإن لم تلق إلّا بصابر وقال زفر بن الحارث الكلابي : سقيناهم كأسا سقونا بمثلها * ولكنّهم كانوا على الموت أصبرا